رؤى ثقافية ………….. انعدام البحث العلمي في عالمنا العربي

د. هيفاء بيطار

انعدام البحث العلمي في عالمنا العربي
لا أزال أذكر الصدمة المروعة حين طلبت مني معلمة الفيزياء أن أحضر جهاز أمبير من المخبر في المدرسة، وبدأت البحث في المخبر عن جهاز أمبير الذي يصورونه في كتاب الفيزياء كدائرة صغيرة تضم داخلها حرف ألف باللغة الأجنبية، وعدت خائبة إلى المُدرسة وقلت لها لم أجد الجهاز، فقالت مستحيل، وعادت بعد لحظة تحمل جهازاً ضخماً هو جهاز أمبير.
أذكر تلك الحادثة القديمة، لأنه في الحقيقة لم يتغير شيء فكل دراساتنا العلمية تقتصر على القراءات النظرية دون أي تطبيق عملي.
كم من تجارب في الفيزياء والكيمياء لطلاب المرحلة الإعدادية والثانوية تظل نظرية، ولا يتعرف الطلاب على الأجهزة المطلوبة، وحتى في المرحلة الجامعية تنقصنا الكثير من التطبيقات العملية ومعرفة الأجهزة، وبالمقارنة مع الدول الأوروبية، حيث أسافر دوماً إلى باريس للقاء أسرتي، روعنتي أن ابنه أختي التي في الصف الخامس الابتدائي في باريس، حيث اصطحبتهم المدرسة في رحلة علمية ليروا البراكين عن كثب! وكيف أن معظم تجارب الكيمياء والفيزياء تطبق عملياً في المخبر الخاص في المدرسة.
ولأنتقل إلى المرحلة الثانوية في سوريا (وأظن تتشارك معها الدراسة الجامعية في الوطن العربي) وأذكر خبرتي كطالبة طب، حيث لم يكن لدينا تطبيق عملي لما ندرس سوى تشريح الجثث في الصف الأول والثاني في كلية الطب، أما مفهوم البحث العلمي فكان مُنقرضاً، كان كل أستاذ يلزمنا بكتابه الذي يؤلفه ويضع العلامات استاناداً لكتابه فقط، والطالب الذي يملك طموحاً ويُنقب في كتب أخرى كانت علامته منخفضة لأنه شذ عن كتاب الأستاذ، ومن المضحك المبكي أن بعض الأساتذة كانوا يحذفون لنا فصولاً من كتاب طبي! حتى إننا سألنا الأستاذ: ماذا لو صادفنا مريض يحمل المرض الذي حذفته لنا؟ فيحدق بنا غاضباً..
لم تكن الدراسة الجامعية تختلف عن الدراسة في المدرسة، كما لو أنها تكملة لها، أساسها الحفظ صماً وبالكتاب الهزيل المُختصر الذي يؤلفه الأستاذ.
ولا أنسى الصدمة المروعة التي أصابتني وزميلي حين كنا في السنة الثالثة من اختصاص طب العيون وجراحتها حين قررنا أن نقوم ببحث علمي عن أسباب العمى في سوريا وتقدمنا بمشروعنا إلى عميد الكلية، وكان ثمة شق آخر للبحث إياه وهو تأثير القطرات الخافضة لضغط العين على الزرق (الماء السوداء) وقوبلنا بالرفض التام الأقرب للازدراء، وقال العميد بأن الجامعة لا تتحمل هذه النفقات، مع العلم كانت مجلة فرنسية قد أخذت على عاتقها نشر بحثنا الذي لم يتم، ولكن كانت تُصرف مئات الألوف بل والملايين في مناسبات مثل الحركة التصحيحية حيث تُقام احتفالات باذخة يشارك بها كل المسؤولين في الدولة حتى إن المرضى أنفسهم (مرضى القلب، والنساء حديثات الولادة) كن ينزلن إلى ساحة المشفى ليشاركن في رقصات الولاء الإلزامية على قرع طبل عملاق يزيد قطره على ثلاثة أمتار.
إن كل الدول المتطورة علمياً تعتمد على البحث العلمي، ويقوم المُدرس بدور الموجه للطالب ويرشده إلى الكتب التي يستفيد منها ويعتمد عليها، وكم من طلاب تفوقوا على أساتذتهم في بحوثهم العلمية، أما أن تجد في جامعة عربية أستاذ يحذف أمراضاً من كتاب فهذا هو العجب العجاب!
كم هو مخزن ومؤلم أن نجد طلاباً في سوريا وخاصة طلاب الشهادتين الثانوية والإعدادية يحفظون صماً مسائل الفيزياء والرياضيات ويتعثرون في الحل لو تغيرت الأرقام، هذا هو نمط التدريس في سوريا القائم على التلقين.. ويا ليت الجهد الذي يبذله الطالب في الحفظ صماً يستبدله في التفكير والبحث العلمي.
وأخيراً أتمنى من الجهات المختصة من وزارة التربية والتعليم العالي والجامعات أن يضعوا في اعتبارهم أن لا تطور وتقدم دون البحث العلمي، وأن يخصصوا مبالغ وافرة لهذا البحث.

You may also like...

0 thoughts on “رؤى ثقافية ………….. انعدام البحث العلمي في عالمنا العربي”

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اعلانات

تحميل العدد

شرفتي الإمارات.. صناع الأمل

رئيس التحرير
الدكتور وليد السعدي

SPONSORS

Polls

هل انت مع منع لعبة البوكمن في البلاد العربية ؟

Loading ... Loading ...
Facebook
Google+
Twitter
YouTube
Instagram