المهاجر من هجر ما نهى الله عنه الهجرة النبوية الشريفة.. أنهار تتدفق من الدروس والعبر

تغمرنا في هذه الأيام نفحات حدث عظيم اختاره المسلمون ليكون اليوم الذي يؤرخون به أيامهم وشهورهم وأعوامهم، إنه يوم هجرة رسول الله (صلى الله عليه وسلم) من مكة إلى المدينة.

وهو اليوم الذي يستوقفنا للنظر والتأمل ويستدعي منا قدراً من التبصر والتذكر، لما يحمله من دلالات عظيمة ومعان وعبر جليلة.
فقد أقبل عام هجري جديد، نسأل الله تعالى فيه التوفيق والتسديد، وندعوه سبحانه أن يديم على دولة الإمارات العربية المتحدة الاستقرار والازدهار، وأن يزيدنا من النعم والخيرات، ويغفر لنا ما قد فات، ويوفقنا لصالح العمل في ما هو آت، قال تعالى: (إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات كانت لهم جنات الفردوس نزلاً).
إن الهجرة النبوية الشريفة لرسولنا محمد (صلى الله عليه وسلم) من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة حدث تاريخي فريد، انتهى بسياقه الزماني والمكاني، فقد قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يوم فتح مكة: (لا هجرة بعد الفتح)، حيث كانت الهجرة في زمن النبي (صلى الله عليه وسلم) قبل فتح مكة لنصرته ومؤازرته، فلما كان الفتح وأظهر الله تعالى الإسلام، سقط فرض الهجرة.. ومن أراد أن يدرك فضل الهجرة وثوابها، فعليه بالعبادة، ليستدرك به ما فاته من أجرها، قال النبي (صلى الله عليه وسلم): (العبادة في الهرج كهجرة إلي).. والمراد بالهرج: الفتن، وسبب فضل العبادة فيها، أن الناس يغفلون عنها، ويشتغلون بغيرها، فهنيئاً لمن شغل نفسه بطاعة ربه، وأقلع عن ذنبه، وهجر خطاياه، قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): (إن المهاجر من هجر ما نهى الله عنه).. فما أجمل أن نهجر كل ما يغضب الله سبحانه، فذلك أفضل هجرة، قال رجل: يا رسول الله أي الهجرة أفضل؟ قال (صلى الله عليه وسلم): (أن تهجر ما كره ربك عز وجل).
لقد بقي لنا من أحداث الهجرة النبوية الشريفة أنهار تتدفق من الدروس والعبر، لينتفع منها من أراد أن يتذكر أو يتدبر، ففيها يتجلى جمال الإسلام، وتظهر عظمته، وقوة تأثيره في الأنام، بما تضمنه من القيم السامية، والمبادئ العالية، التي أثرت في القلوب، ففتحت أقفالها، وخاطبت العقول فأسرتها، قال قائل قريش يصف حديث النبي (صلى الله عليه وسلم): ألم تروا حسن حديثه، وحلاوة منطقه، وغلبته على قلوب الرجال بما يأتي به؟ نعم هذه هي صورة الإسلام الناصعة، ودعوته الحسنة، التي ارتسمت في الأذهان، قال سبحانه: (قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني وسبحان الله وما أنا من المشركين).. فقام رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يدعو إلى الأخلاق الفاضلة بالحكمة واللين، والقول الطيب للناس أجمعين، عملاً بقول الله عز وجل: (وقولوا للناس حسناً).. وبالرحمة نشر رسول الله (صلى الله عليه وسلم) رسالته بين العالمين، قال تعالى: (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين). فيا لها من رسالة رحيمة، تحمل الخير والعدل للإنسانية، وتنشر المحبة والسلام في البشرية، وتحقن الدماء بعد استباحتها، وتجمع الكلمة بعد تفرقها، وتنزع من القلوب أحقادها وضغائنها، وتنهي العداوات والخصومات، ليعيش الناس آمنين، وعلى الخير والبر متعاونين، قال تعالى: (يا أيها الناس قد جاءكم برهان من ربكم وأنزلنا إليكم نوراً مبيناً).. ولكن المتطرفين اليوم، قد أساءوا إلى مبادئ الإسلام السمحة، وشوهوا مفاهيمه الراقية، فجعلوا شعارهم سفك الدماء، وزرع البغضاء، وتدمير البناء، وتمزيق الأوطان، وارتكاب الجرائم بحق الإنسان، فأين هم من هدي الإسلام السمح العظيم؟ وأين هم من المعاني النبيلة للهجرة النبوية الشريفة؟.
ونستلهم في ذكرى الهجرة النبوية الشريفة التفاؤل والأمل، والأخذ بالأسباب، والثقة بالله تعالى والتوكل عليه، مهما اشتد البلاء، وعظم الكرب والعناء، فبالإعداد والأمل وحسن العمل يصنع الإنسان الأمجاد، ويتغلب على الصعاب، ويرتقي إلى واقع أحسن، ومرتبة أفضل، ويحقق النجاح وإن عظمت التحديات، أو كثرت العقبات، فها هو النبي (صلى الله عليه وسلم) يخرج وقد أحاطت به المخاطر، ومع ذلك كانت ثقته بنصر الله عز وجل وتأييده راسخة رسوخ الجبال، ولما انقطعت الحيل، وضاقت السبل، ووصلت قريش إلى الغار قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه للنبي (صلى الله عليه وسلم) وهو معه في الغار: لو أن أحدهم نظر إلى قدميه لأبصرنا. فقال (صلى الله عليه وسلم): (يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما).. فسطر القرآن الكريم هذا الموقف الخالد لنبينا العظيم (صلى الله عليه وسلم) لنتعلم الثقة واليقين برب العالمين، قال تعالى: (إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا فأنزل الله سكينته عليه وأيده بجنود لم تروها وجعل كلمة الذين كفروا السفلى وكلمة الله هي العليا والله عزيز حكيم).

رفع الله قدر العلم وجعله من أسباب الفوز بجنته

بدأت الدراسة وعاد الطلاب والطالبات إلى مدارسهم، يطلبون العلم، منتظمين في مقاعد الدراسة، فالعلم أشرف مطلوب، وأعز مرغوب، أمرنا الله تعالى بطلبه، وحثنا على الاستزادة منه، فقال عز وجل: (وقل رب زدني علماً)، وكان رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يستفتح نهاره داعياً ربه سبحانه أن يهبه العلم النافع، قائلاً: (اللهم إني أسألك علماً نافعاً)، والعلم النافع هو الذي يعمل به صاحبه، ويعلمه غيره، وينتفع به الناس، وتظهر آثاره في تهذيب النفوس، وسمو الأخلاق، واستقامة السلوك، ولذلك كان النبي (صلى الله عليه وسلم) يحث على طلب العلم النافع فيقول: (سلوا الله علماً نافعاً)، وإن الله تبارك وتعالى يكتب للعلم النافع القبول والثبات، قال سبحانه: (وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض)، وذلك لعموم خيره، وبقاء نفعه.
فما هي مجالات العلم النافع؟ قال العلماء: العلم علمان: علم الأديان، وعلم الأبدان.. فعلوم الشريعة خير للإنسان في دنياه وآخرته، قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): (من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين).. وعلوم الطب تنفع الناس في رعاية أبدانهم، والعناية بصحتهم، والحفاظ على حياتهم، وكذلك علوم الرياضيات والفيزياء، واللغات والكيمياء، والهندسة والفضاء، وعلوم الأرض والأحياء، والجغرافيا والاجتماعيات، والطاقة والتقنيات، وسائر العلوم التي تتقدم بها المجتمعات، وترتقي بها الحضارات، فبالعلم تقاس الأمم وتتمايز الشعوب، قال تعالى: (قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون إنما يتذكر أولو الألباب).
لقد بشر رسول الله (صلى الله عليه وسلم) الذين يسلكون طريق العلم بقوله (صلى الله عليه وسلم): (من سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهل الله له طريقاً إلى الجنة).. فيا بشارة طلابنا عندما يقبلون على العام الدراسي الجديد بهمة عالية، وروح مثابرة، ويشمرون عن ساعد الجد، ولا يؤجلون عمل اليوم إلى الغد، ويعملون بقول رسول الله (صلى الله عليه وسلم): (يا أيها الناس تعلموا، إنما العلم بالتعلم).. أي إن تحصيل العلم يأتي بالتعلم، والسعي إلى اكتسابه من أهله.. وقال سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه: تعلموا العلم وعلموه الناس، وتعلموا له الوقار والسكينة، وتواضعوا لمن تعلمتم منه العلم.. وقد قيل: حق على طلبة العلم بلوغ غاية جهدهم في الاستكثار منه.
ففرصة ثمينة للطالب أن يزداد علماً من معلميه، محترماً مكانتهم، مقدراً جهودهم، محسناً خطابهم، مؤدياً حقوقهم، متحلياً بالأخلاق الكريمة، والشيم الحميدة، مستذكراً دروسه، متسماً بالوفاء لبلده، والانتماء لوطنه، والولاء لقيادته، فالوطن لم يدخر جهداً في تعليمه، فإذا التزم الطالب بهذه الصفات صار متميزاً، محققاً هدفه من العلم، فيحبه من حوله، ويقدره مجتمعه، وإن المتعلمين الذين تخرجوا وأصبحوا يعملون بعلمهم قد رفع الله تعالى قدرهم، وأعلى منزلتهم بالعلم، قال سبحانه وتعالى: (يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات والله بما تعملون خبير).. وهم أمثلة حية لكل طالب يريد أن يقتدي بالمتفوقين رجالاً ونساءً.
ومع تجدد العام الدراسي نستذكر مقام المعلم، ونوجه إليه تحية تقدير لدوره العظيم، فما يقوم به ليس مجرد أداء مهنة أو وظيفة، إنما هو رسالة حضارية، تحملها الأنبياء، وأداها الرسل عليهم السلام، قال (صلى الله عليه وسلم): (إنما بعثت معلماً).
فمهمة المعلم نبيلة، وأمانته عظيمة، إنها أمانة صناعة الإنسان، وتربية الأجيال، لتصبح واعية، تحب وطنها، وتثق في نفسها وقدراتها، فمسؤولية المعلم كبيرة، إنه قدوة لطلابه، يبذل جهده لينفعهم، ويغرس حب العلم في نفوسهم، وينمي ثقافتهم، ويرسخ حب الابتكار لديهم، ويبعث فيهم الهمة العالية، ويحسن تربيتهم، ويهذب أخلاقهم، مقتدياً في ذلك بالنبي (صلى الله عليه وسلم) فقد كان (صلى الله عليه وسلم) خير معلم، كما وصفه أحد الصحابة رضي الله عنهم بقوله: ما رأيت معلما قط قبله (صلى الله عليه وسلم) ولا بعده أحسن تعليما منه (صلى الله عليه وسلم).

فتاوي
– ما حكم الماء الذي يستخدم لري الحدائق؟ هل يجوز التوضؤ به؟ هل هو طهور أم متنجس؟ أريد جواباً كافياً شاكرين لكم.

إذا كان ذلك الماء مطلقاً بمعنى أنَّه طاهر لم تتغير أوصافه، فيجوز الوضوء به، وكذلك مياه الصرف التي عولجت وتم تكريرها تعتبر طاهرة ويجوز الوضوء بها، وتجوز الصلاة على الأماكن التي تسقى بها كالمزارع لأنَّ الماء المتنجس إذا زال تغيره يعتبر طاهراً، قال العلامة الخرشي في شرحه لمختصر العلامة خليل رحمهما الله تعالى في باب الطهارة (… في الطراز لو زال تغيره بإلقاء تراب أو طين، فإن لم يظهر فيه أحد أوصاف ما ألقي فيه وجب أن يطهر)، والله تعالى أعلم.
والخلاصة.. إذا كان ذلك الماء مطلقاً، بمعنى: أنه طاهر لم تتغير أوصافه، فيجوز الوضوء به، وكذلك مياه الصرف التي عولجت وتم تكريرها تعتبر طاهرة ويجوز الوضوء بها، والله تعالى أعلم.

– هل يجوز دفع زكاة المال لطالب يدرس في الجامعة ولا يستطيع توفير الأقساط الدراسية؟ هل طالب العلم من مصارف الزكاة؟

طالما أنَّ هذا الطالب لا يملك ما يسد به الأقساط الجامعية التي عليه فهو فقير يجوز إعطاء الزكاة له، فالزكاة هي حق للفقراء والمساكين ومن ذكرهم الله تعالى في كتابه، وهم بقية الأصناف الثمانية، ولا يجوز أن تعطى الزكاة لغير هؤلاء الأصناف، فلا يُحَجُّ بأموال الزكاة، ولا تصرف في غير ذلك من أوجه الخير، كالمساجد والمدارس، وأما طالب العلم إذا كان غنياً أو عنده ما يسد حاجاته الضرورية فيجوز إعطاؤه من الصدقة لإعانته وتشجيعه، ولكن لا يجوز أن يعطى من الزكاة إلا إذا كان فقيراً، قال العلامة ابن عبد البر في كتابه الكافي: (ليس لأحد أن يعطي من زكاة ماله لغير من سمى الله تعالى في كتابه في قوله عز وجل: (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ)، والله تعالى أعلم.
والخلاصة.. وطالما أنَّ هذا الطالب لا يملك ما يسد به الأقساط الجامعية التي عليه فهو فقير يجوز إعطاء الزكاة له، والله تعالى أعلم.

You may also like...

0 thoughts on “المهاجر من هجر ما نهى الله عنه الهجرة النبوية الشريفة.. أنهار تتدفق من الدروس والعبر”

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اعلانات

تحميل العدد

شرفتي ابن بطوطة رجل الخطوة والفكر والسلام

رئيس التحرير
الدكتور وليد السعدي

SPONSORS

Polls

هل انت مع منع لعبة البوكمن في البلاد العربية ؟

Loading ... Loading ...
Facebook
Google+
Twitter
YouTube
Instagram