أوعية متصلة ………………………..أحوال الليل

محمد علي شمس الدين

أحوال الليل
(1)
لست أدري من هو الشاعر القديم الذي قال هذا البيت النادر من الشعر في وصف الليل الجميل: وود الليل زيد عليه ليل ولم يوجد لآخره صباح
وهو وصف لليل العشاق والسمار والليليين الذين تغني لهم فيروز حين تقول: (الليل مش للنوم أصل الليل السهر).. هذا هو ليل السعد والبهجة الذي لا يرجى له نفاد. على أن هناك ليلاً آخر، هو ليل المهمومين والتعساء، الذي يرون في الليل وقتاً للأحزان والكوابيس، ويخافون منه ويتمنون زواله السريع، أو يتمنون أن لم يكن ليلاً أصلاً.
(2)
الليل لهذه الناحية، هو ليل نفسي أكثر مما هو ليل زمني يتعاقب فيه الليل والنهار. ومهما يكن الأمر، فإن الليل الذي يذكره الشعراء في قصائدهم، والمغنون في أغنياتهم، ويرسمه الرسامون في لوحاتهم هو ليل متماوج، متنافر، جواني، انطباعي وتعبيري، وأكثر من ذلك، هو أحياناً ليل سريالي.
وقد مر الليل في لوحات التشكيليين الغربيين بثلاث مراحل: المرحلة الانطباعية النقلية، والمرحلة التعبيرية النفسية، والمرحلة الرمزية السريالية.
(3)
لدى الانطباعيين تشعر بالليل أنه يلامس السطح، وهو ليل غير معمق وغير مكثف. الليل ليل نقلي، وأقصى قصده مضاهاة ليل الطبيعة، وألوان الرسامين الانطباعيين تتأرجح بين الأزرق والكوبيا، والفاتح الفيروزي المشبع بالأبيض.. والقمر عنصر أساسي في اللوحة الليلية، حيث يحوط فرح بهالات القمر المرسومة، نجد ذلك على سبيل المثال، عند ديلاكروا وروسو، الذي صور الغابة وفوقها قمر الليل، كما صوّر لوحة البدوي النائم في الصحراء وقربه أسد يتأمله، وإلى جانبه ربابة.
لدى رامبرانت تغطّي لوحاته التعبيرية ألوان قائمة، وفي أشكاله تجسيد لانبثاق الضوء من الظلمة، مثل لوحة درس التشريح.
وتنبثق التفاصيل والوجوه والملامح المعبرة لإضاءات مبهرة في وسط اللوحة المسماة (دائرة الليل).
حين تنظر إلى لوحات كل من بروغل وغويا، تحس بدرامية كل منهما وكأنه يرسم صورة ذاتية لداخله الدرامي من خلال اللوحة وحدّة الصراع فيها، وهو صراع محترم حتى الموت بلا مصالحة، وكأن كل واحد من الفنانين يصور في لوحته حلبةً لصراع النيران، حيث لا بد من موت أحد المصارعين: إما الثور أو الماتادور. بالانتقال إلى الرسام الفرنسي بول غوغان نجد له لوحة بعنوان (مقهى ليلي في آرل)، حيث تظهر طاولة بلياردو خضراء تجلس أمامها امرأة ضخمة الجثة، ووراءها أناس جالسون بخلفية حمراء، محاطين بألوان زرقاء، نيلية وسوداء. هنا تبرز ألوان وحشية تذكر بمشاهدة الغروب في الغابات الإفريقية أو في جزر تاهيتي. لقد تعامل السرياليون مع الليل، وكان قد مهد لهم كل من غويا وغوغان وفان غوغ بتعبيريتهم القوية. لدى سلفادور دالي أكثر من لوحة عمل فيها على الليل، وهو كجميع السرياليين يعتمد على اللون الأزرق القاتم المقترن مع لون الكوبالت. وهو لون خطير، لأن المقاربة الكيميائية للون البروس (الأزرق القاتم) تتفسخ مع الوقت مثل الوردة التي تؤدي جمالها لمرحلة قليلة، ثم تتناثر.
سرياليون آخرون رسموا الليل، بطرق أخرى مختلفة. السريالي خوان ميرو رسم الليل في لوحة هي مدى أزرق متموج، تخترقه أشرطة بيضاء وصفراء، في جانبها الأيسر الأعلى من الصورة قمر أصفر معقوف على شكل موزة وله لوحة بديعة اسمها (كلب ينبح القمر)، هكذا يتعدد الليل في التشكيل كما يتعدد في الشعر.

You may also like...

0 thoughts on “أوعية متصلة ………………………..أحوال الليل”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اعلانات

تحميل المجلة

شرفتي.. المقال الصحفي…… هل ما زال؟!

رئيس التحرير
الدكتور وليد السعدي

Polls

هل انت مع منع لعبة البوكمن في البلاد العربية ؟

جاري التحميل ... جاري التحميل ...
Facebook
Google+
Twitter
YouTube
Instagram