ابن بطوطة رجل الخطوة والفكر والسلام

بقلم: د.وليدالسعدي
رئيس تحرير مجلة المنارة الإماراتية
كنت في الصف الرابع الابتدائي حينما سمعت باسمه لأول مرة حيث كان يدرّس في المدارس السورية الرسمية، ولأول وهلة ابتسمت وأنا طفل من الاسم بحد ذاته، فلم يكن وقع اسمه قريباً منا نحن أهل الشام (ابن بطوطة) ومرت السنين وكنا بين الحين والآخر نسمع أو نقرأ عنه شيئاً بسيطاً يمر مرور الكرام حتى وصلنا المرحلة الجامعية، ولكثرة القراءة كان لابد أن يمر ومن ضمن الأسماء الشهيرة الرحالة العربي (ابن بطوطة)، أغرب ما في هذا الرجل الطنجي، نسبة إلى مدينة طنجة البحرية المغربية في أقصى أقاصي غرب وشمال الوطن العربي، أغرب مافيه هو جلده على تلك الرحلات التي شبهتها بالمعارك، نعم، فأن تكون رجلاً بمفردك دون معين ودون وسائل تنقل حديثة، كما هي الآن وتجول القارات شرقاً وغرباً شمالاً وجنوباً معتمداً على الله وعلى إيمانك برسالتك، ومعتمداً على صفاء ومحبة قلوب الناس الذين ستقابلهم لأول مرة في حياتك ولا تعرف عنهم شيئاً، هو أمر أشبه بخوض معركة لا تحمد عقباها ولا تعرف أين مستقرها ومنتهاها.
وها آنذا، يُثلج صدري للمرة الثانية بذكر اسم هذا الرحالة العربي الشهير، حين دعيت من قبل أحد أعز الأصدقاء لدي وهو الأستاذ محمد الدقاق الرئيس الفخري لجمعية ابن بطوطة، والذي أكن له كل الاحترام والتقدير لشخصه أولاً، ولمبادراته في هذا المجال حين يخصص الكثير من جهده ووقته لانجاز هذا المشروع الحضاري والتراثي الكبير، وحين سمعت بمهرجان دولي كبير يقام على شرفه، وتكريماً له ولعطاءاته اللامحدودة، نعم عطاءاته اللامحدودة حين تتعمق بفكر وخبرة وتجربة هذا الرجل التي فيها الكثير والكثير من التضحية والاقدام والانفتاح والمحبة والسلام لكل شعوب الأرض، بمختلف دياناتهم وعروقهم ومذاهبهم واعتقاداتهم، يعلمنا ابن بطوطة الكثير والكثير، لكن علينا أن نتعرف على تجربته وعلى معركته عن قرب، وهذا ما تنوي القيام به الجمعية المغاربية ابن بطوطة في مهرجانها الدولي في طنجة، مسقط رأس ابن بطوطة ومرقده في الفترة ما بين 9-12 نوفمبر 2017 تحت شعار (الرحالة سفراء للسلام)، وتنوي الجمعية أيضاً، والتي تضم متطوعين من مختلف أصقاع الأرض ومن مختلف الجنسيات واللغات واللهجات، تنوي التعريف أكثر وأكثر بأهمية هذا الرحالة العربي الشهير، والبحث في الإرث الثقافي والمعرفي الذي تركه لنا ونحن أهملناه إلا فيما ندر، وكذلك إن مثل هذا المهرجان يأتي ضمن سياق التوجه العام للمملكة المغربية في تأكيدها على الحفاظ على تراثها وإرثها، وهذا ما تجلى في خطاب العرش لجلالة الملك محمد السادس، حين أكد على ضرورة تمكن الرأس مال اللامادي والحضاري الذي تمتلكه المغرب، وكذلك فإن المهرجان جاء ليؤكد مكانة ابن بطوطة في إشاعة قيم التسامح والمحبة والسلام والتعارف بين الشعوب، هذه القيم التي أحوج ما نكون بحاجة إليها في يومنا هذا، فابن بطوطة بالفعل هو رجل الانفتاح العربي الإسلامي الأول على مثل هذه القيم، ويتأكد ذلك من خلال الاطلاع على خط سير رحلته، وعلى تنوع الناس الذين قابلهم في حياتهم وعلى طبيعة العلاقة الودية مع الجميعالذين التقى فيهم.
لقد خلد ابن بطوطة اسمه في التاريخ كأهم رحالة عربي مسلم بنفسه، مع أننا أهملنا تخليده بالوثائق والمهرجانات والمؤتمرات والندوات، وتأتي الجمعية المغاربية مشكورة على جهدها لتحاول أن توثق ما يمكنها توثيقه من حياة وتاريخ ابن بطوطة، فهي شهادة منا له ولو جاءت متأخرة لكنها هامة جداً، في وقت نحن بحاجة إلى خطوة أولى على الطريق الصحيح للتعمق بتراثنا وإرث آبائنا وأجدادنا الأول.
ولمن لا يعرف ابن بطوطة فهو محمد بن عبدالله اللواني، ولد في طنجة في المغرب 1304م وتوفي 1378، وقضى 28 سنة من عمره في السفر والرحلات، رحلته الأولى كانت للحج عن طريق شمال أفريقيا ومصر التي وصلها أي مصر وهي في قمة حضارتها وتقدمها الثقافي في عهد السلطان الناصر محمد بن قلاوون، والتي أعجب بها أيما إعجاب، حيث وصفها بقوله: (هي أم البلاد وقرارة فرعون ذي الأوتاد، ذات الأقاليم العريضة والبلاد الأريضة المتناهية في كثرة العمارة المتناهية بالحسن والنضارة، قهرت قاهرتها الأمم، وتمكنت ملوكها نواحي العرب والعجم) وزار ابن بطوطة الشام سنة 1325 وقد وصفها في كتابه بأنها تتفوق على جميع البلدان حسناً وجمالاً،وشبهها بجنة الله على الأرض، كما وصف فيها مقامات الصالحين والأولياء وماءها العذب ونسيمها العليل، وكان وصفاً بديعاً رائعاً يعرف معناه كل من وطأت قدماه الشام.
ثم زار ابن بطوطة بلاد فارس والعرب وشرق افريقيا وآسيا الصغرى والقرم وحوض الفولجا الأدنى، ودخل القسطنطينية، ومن هناك سافر إلى خوارزم وبخاري وتركستان وأفغانستان والهند، واستقر في دلهي ثمانية أعوام، وإندونيسيا، وعاد إلى طنجة عام 1347، ثم تبعها برحلتين: الأولى للأندلس عام 1350، والأخرى للسودان 1352عاد بعدها إلى فاس عام 1354، وهناك ألف كتابه الشهير (تحفة النظار وغرائب الأسفار) الذي ترجم لأغلب لغات العالم، ولقد كان الاتجاه الروحي في كل سفرات ابن بطوطة هو الموجه له في مسار رحلاته، وقد تجلى ذلك عند لقائه العدد الهائل من الناس والشخصيات الروحية عند الاسلام أو في الأديان الأخرى، وذكرها بكل عدل واحترام، ذلك الأمر الذي بوأه ومكنه من إنجاح رحلاته وحتى استضافة الملوك والسلاطين له، وكذلك إسناد البعض منهم لابن بطوطة مهام كبرى مثل القضاء والسفارات، فقد كانت لديه قدرة كبيرة على التعايش والاندماج والتسامح وإشاعة هذه القيم بين الشعوب،وقد وفق الله هذا الرحالة حين مكنه الله ومكن نفسه من تدوين كل صغيرة كبيرة وكل شاردة وواردة في رحلاته، حيث وصلتنا اليوم بكثير من الدهشة والاستغراب لما حل ولما وصل إليه هذا الرحالة وبامكانياته المتواضعة، فقد كانت سفرات أو رحلات ابن بطوطة بين الدول والمجتمعات للاطلاع عليها وعلى تفاعل الشعوب فيما بينها، ولم يكن على الإطلاق مرسالاً سلبياً بل كان جوالة إيجابياً لتقارب الشعوب وتعاضدها، حيث يعتبره الكثيرون في العالم هو أول من بادر في حوار الحضارات
لا شك أن ابن بطوطة سيبقى في الخاطر والروح والذاكرة ما دامت تعيش فينا، ولا شك أن هذا الرحالة سيعطينا الأمل نحن بني الإنسان في بث المزيد من روح العزيمة والإصرار والانفتاح والتسامح والعيش المشترك، في زمن نحن أحوج ما نكون إلى تلك القيم.
فالتحية إلى روح ابن بطوطة الرحالة العربي المسلم الأشهر في التاريخ، والتحية موصولة إلى الجمعية المغاربية ابن بطوطة لإعادتها إحياء تراث ابن بلدتها وابن وطنها وابن دينها في مهرجانهم المنتظر، والذي سيعرفنا أكثر على هذا المسافر في التاريخ والأوطان في الذاكرة والبشر والإنسان.

You may also like...

0 thoughts on “ابن بطوطة رجل الخطوة والفكر والسلام”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اعلانات

تحميل العدد

شرفتي ……. أريد

رئيس التحرير
الدكتور وليد السعدي

SPONSORS

Polls

هل انت مع منع لعبة البوكمن في البلاد العربية ؟

Loading ... Loading ...
Facebook
Google+
Twitter
YouTube
Instagram