رانية العامودي: لوحاتي نافذتي الصغيرة التي أطلّ بها على العالم

مسكونة بهموم المرأة في سياقات الألم والأمل

فلسطين – عبد الحكيم أبو جاموس

لم تغبْ المرأة عن لوحاتها الفنّية، فهي حاضرة بقوّة، وجهاً ومضموناً، تتجسّد بمختلف المعاني والصور، تبرز مرّةً بنعومتها المعهودة، ومرّةً بخشونتها المحمودة في تصدّيها للاحتلال، وترسم تجذّرها في أعماق الأرض، وصمودها فوقها، فهي الأمّ والوطن بالتجلّيات الإنسانيّة المعبّرة عن الألم، والمستشرفة لبيارق الأمل، تُضفي عليها ألواناً زاهيةً بهيجة، بريشة فنانةٍ حاذقةٍ ماهرة، تخطّت مرحلة التجريب لترسم باحتراف كبير، ومهنيّة عالية.
لوحاتها أخذت مؤخراً تلفت انتباه النُّقّاد والمهتمّين بالفنون، نظراً لعمق مدلولها ومضمونها، بحيث باتت تحكي عدّة قصص في اللوحة الواحدة، وأصبح لها نمطٌ خاصٌّ بها، وأسلوب معيّن، وبصمة فنّية تميّز لوحاتها دون غيرها.

إنّها الفنانة التشكيلية الفلسطينية رانية أسعد حسن العامودي، تحمل شهادة البكالوريوس في الفنون الجميلة، قسم الفن التشكيلي من جامعة النجاح الوطنية بمدينة نابلس، وتعمل حالياً رئيسةً لقسم الرسم في مركز المناهج الفلسطينية، وقبل ذلك عملت معلّمةً للتربية الفنيّة في المدارس الحكومية، وساهمت في الإشراف على المعارض الفنيّة لطلبة المدارس.
إبداع في مجال الرسم للأطفال
والعامودي بالإضافة لكونها فنّانة تشكيليّة، فهي متخصّصة في رسومات الأطفال، وتقوم حالياً بعمل سلسلة من القصص المرسومة للأطفال، حيث برزت في هذا المجال وباتت تساهم في التأسيس لهذا اللون لأول مرة في فلسطين بشكل احترافي، وبإشراف منتدى الفنانين برام الله، وعملت على تصميم عدد من الشعارات والبوسترات، ورسم عدد من أغلفة الكتب المدرسية، وقبل ذلك، رسمت في مجال الكاريكاتير في صحيفة صوت النساء الفلسطينية المتخصصة، ونفّذت رسومات كتاب (القدس: تجوال العين والروح، وهو عمل مشترك مع الكاتب تحسين يقين)، وتنتج أيضاً أفلاما رسوما متحركة، باحتراف كبير.
وتتقن العامودي الرسم بألوان الزيت والماء والجواش والطباشير والفحم، وألوان الأكريليك على القماش، وتجد متعةً كبيرة حين تمسك الريشة وتمزج الألوان، وتهيم في محراب مرسمها الذي احتلّ ركناً من منزلها الأنيق، اعتنت بتزيين جدرانه بلوحاتها المختلفة، ففي كلّ زاوية وجدار تتربّع لوحة من لوحاتها التي تعتزّ بها تماماً كأطفالها، وتسرد حكاية كلّ واحدة منهنّ ومناسبتها، وفي الجانب الآخر تمارس العامودي الرسم الحديث بأدواته التكنولوجيّة عبر الحاسوب مباشرة، إلا أنّ متعة الرّيشة ومنظر الألوان ورائحتها، تجعل كلّ ملائكة الفن تحيط بها، وتمدّها بالأفكار الإبداعية، وتختصر التعبير عن كلّ ذلك بقولها: لوحاتي هي نافذتي الصغيرة التي أطلّ بها على العالم.
لوحة ألم وتجسيد المعاناة
ساهمت لوحة (ألم) في دعم رصيد العامودي الفني، وقد تم اختيارها غلافاً لرواية (خلاص) للكاتب الروائي دكتور هشام قاسم الصادرة عن دار الهلال في القاهرة، كما أنها شاركت في معرض جذور الذي نظم في إمارة دبي عام 2016.
وعنها يقول الناقد الفني تحسين يقين: إن هذه اللوحة تمثّل الألم المعمّد بالدّم، المتحلّي بصبر الأنبياء، لما ترتقي به إنسانة اللوحة من دعاء ورجاء. فهي بلحظة واحدة أدخلتنا شعور الألم إلى أقصاه، بغض النظر عن جنسية المتألم أو جنسية الفنانة، لقد صُعقت بها للوهلة الأولى، حيث طال عمق التألم، فأثارت الحزن والغضب المغلّف بالسّمو الإنساني.
ويضيف: اللوحة تعبّر عن أقصى ألم يلائم أقصى اتساع لصرخة ألم يطلقها متألم في فلسطين، صرخة ألم مشفوعة بدمعة حارة، وبوجه موازٍ للسماء، وباستطالة رقبة تودّ لو تصل أقصى بُعد في الأعلى المقابل للأرض. ويؤخذ المشاهد بالشّعر المُعمّد بالدم القاني، المعبّر عن دمويّة الحال، فهذا حزنٌ دموي وغضبٌ دموي. لكأن الفنانة تقودنا نحو تأمّل الوجه الناظر إلى السماء، فهل يلوذ الوجه بالسماء؟ هي حركة فنّية تقودنا كي نتحرّك فعلياً باتجاه تخليص المتألمين.
رسالة الخلاص من الاحتلال
فنّياً، نكاد نلمس الإبداع في جوانب عدة من اللوحة؛ فعلى مستوى السيادة واللون، نجد لون اليدين المتّصل بالرقبة وبالوجه، لوناً برتقالياً مصفرّاً مشوباً بحُمرة، يقود إلى مركز السيادة في اللوحة، في حين نرى مستويات الاحمرار بالرقبة تقترب من اللون الأحمر، للشعر الذي يبدو كأنه تم نقعه في ماء الدم. لكن المثير هنا، أنه ما إن نصل أحمر دم الشعر، حتى يصبح منافساً لسيادة العنصر الأول المتمثل في اليدين والرقبة والوجه، واللون هنا حار يلائم حرارة والتهاب الحالة النفسية لإنسانة اللوحة المعبر عن الإنسان الفلسطيني.
وتجلّت الحركة في اللوحة بحركة اليدين الإبداعية؛ ففي تأمّلهما نرى كيف عبّرت بكيفية وضع يد على الصدر، ويد توحي بطلب خجول ببعض أمل ورجاء، تتصاعد منها أرواح من ارتقوا إلى السماء. ومن هنا نشعر بمصداقية اللوحة المعبّرة عن الشعور الفلسطيني المختلط ما بين الصمود والحزن والفقد والتعب والألم.
كما ينبغي أيضاً ملاحظة حركة اليد التي ينطلق منها شخوص روحيون في قافلة، كأنها أشعّة تنطلق من قرص شمسها، في ربط الأرض بالسماء من خلال البشر. لعله دعاء وترحّم على من رحلوا، لعلّه تساؤل، لعلّه تأمّل في المصير التراجيدي، المقدّم بنبل الشهداء.
أما حركة الرقبة الطولية المتسامية والمبالغ في استطالتها لغرض فني، فإنها تمثل أيضاً عموداً آخر يربط بين الأرض والسماء، كآه الألم، وفي الوقت نفسه في شكلها يوحي بصلابة المتألم وصبره. ولا ندري هل قصدت الفنانة تكوين شكل خارطة فلسطين التاريخية ما بين الشخوص الطالعين من الكف والرقبة، فهل تلك إشارة إلى حركة التاريخ الفلسطيني أيضاً؟!.
أما خلفية اللوحة، فقد انسجمت مع العناصر الداخلية لها، فمنحت بعض الأمل آملا آخر؛ من خلال الدوائر البيضاء والصفراء والسماوية الزرقاء، لعله الأمل بالغد، ولعله مستقر الشهداء، ولعله المصير – الخلاص القادم لا محالة! نحن إزاء لوحة عالمية تعبر عن الألم، بما ينفّر من الحرب، تعبيراً عن رسالة المضطهدين للعالم بأنه لا بدّ من الخلاص من الاحتلال.
مشاركة ناجحة في الإمارات
وتعتبر أن مشاركتها في معرض جذور الذي أقامته مؤسسة سلطان بن علي العويس الثقافية في إمارة دبي بالإمارات العربية المتحدة، قد أغنت تجربتها، ومكّنتها من الاطلاع على تجارب عربيّة مميّزة، وفنانين لهم باعٌ طويلٌ وخبرةٌ واسعة، كما مكّنتها أيضاً من توصيل رسالتها الفنّية، وإبراز مدى تطوّر الفن الفلسطيني لجمهور يتذوّق الإبداع، ونقّاد مميّزين على مستوى العالم العربي. وفيه حلّقت العامودي في أجواء الرومانسية الناعمة القريبة من عوالم المرأة والجمال، عبر العديد من أعمالها الفنيّة.
رسومات كتاب القدس و(الصبية والقمقم)

You may also like...

0 thoughts on “رانية العامودي: لوحاتي نافذتي الصغيرة التي أطلّ بها على العالم”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اعلانات

تحميل المجلة

شرفتي..قرارات إماراتية استراتيجية

رئيس التحرير
الدكتور وليد السعدي

Polls

هل انت مع منع لعبة البوكمن في البلاد العربية ؟

جاري التحميل ... جاري التحميل ...
Facebook
Google+
Twitter
YouTube
Instagram