تعرّف إلى الراحل عريان السيد خلف

عبدالله شعبان _دبي

نعت الأوساط الأدبية العراقية، الشاعر الشعبي الكبير عريان السيد خلف الذي وافته المنية، صباح الأربعاء، إثر نوبة قلبية وهو في الطريق إلى مستشفى مدينة الطب في بغداد، حسب ما ذكره الحزب الشيوعي العراقي على موقعه الإلكتروني، نقلاً من بيان الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق.

ووري الشاعر الراحل الثرى، بمشاركة أوساط ثقافية وسياسية وفنية واسعة، حسب ما نقلته قنوات فضائية عراقية، ناقلة صور الحزن التي ضربت مشيعيه الذين غلب بعضهم البكاء والحسرة، فبكى أمام الكاميرات، حزناً على (شاعر الشعب) بتعبير الحزب الشيوعي الذي انخرط الشاعر في صفوفه منذ عقود.

ولد الشاعر الشعبي عريان السيد خلف، عام 1940، في محافظة ذي قار، وبرزت موهبته الشعرية مبكراً ومنذ نهاية ستينيات القرن الماضي بدأ بنشر نتاجه على الملأ.

وعمل خلف الذي كان عضواً في جمعية الشعراء الشعبيين العراقيين، في التلفزيون العراقي وفي الصحافة والإذاعة، وأصبح عضواً في نقابة الصحافيين العراقيين وفي منظمة الصحافة العالمية واتحاد الصحافيين العرب، وتقلّد وسام جامعة اليرموك، وهو واحد من الجوائز العديدة التي حازها الشاعر الراحل الذي كان يسمّي الشاعر العراقي مظفر النواب، “عرّابه” الشعري، ويكن له تقديرا علنياً صريحاً يصل حد قراءة بعض من شعره، في أمسياته الخاصة أو حتى في مقابلاته التلفزيونية التي لا تحصى.

ولخلف منزلته الأدبية والأخلاقية، على حد سواء، فهو محتفى به على صعيد واسع، ويمتلك شعبية جارفة وصلت حد وصفه بـ”جبل” الشعر الشعبي نظراً لموهبته التي منحت للشعر الشعبي رصانة الموزون، ونظراً لكونه قرن شعريته بنمط من السلوك الرفيع، فشكّل نموذجاً أدبياً، وسلوكيا، في آن واحد معا، وربما تسبب هذا النموذج بحال الحرقة التي ضربت البعض لحظة تشييعه: لقد مات “أبو خلدون!”.

وتمتاز قصيدة خلف، بإيقاع تسارعي مستمد من تخيّل واقع مأمول، يبدأ من جملة مفتاحية ذكية، ثم تليها العبارات الأطول التي تساهم بمدّ الإيقاع الذي كان مختصراً في الافتتاح، لتأخذ بالتصاعد وشحذ الشعور الذي يستجيب ويتأثر ويتفاعل، بقوة، خاصة وأن الشاعر كان يمتاز بقوة الإلقاء، ويعلم عن نفسه تلك الخاصية إلى درجة اعترافه بأن قوة إلقائه ساهمت برواج بعض القصائد.

وفي ميزة تتصل بغالب الشعر العراقي، فإن الصنعة لدى خلف، تتغلب على العقيدة السياسية. فلم يكن شعره صورة منسوخة لمفاهيم الصراع الطبقي وحقوق العمال والعدالة الاجتماعية، شيوعياً، بل قصائد مكتوبة بمعدن الشاعر الذي هو الألم، ومدى التشاركية التي تفترضها الشعرية ذاتها، لا مدى التشاركية التي تفترضها الأيديولوجيا، ولهذا كان القارئ مع شاعر عميق وبسيط، لا مع سياسي، هذا على الرغم من أنه سبق وعُمّم كتابٌ بحقّه، في سنوات سابقة، وعلى جميع الوحدات العسكرية العراقية، يعاقب بالإعدام، لكل من “يضبط” وبحوزته أحد دواوينه. بحسب ما صرّح به، هو نفسه، في واحد من لقاءاته المتلفزة المحببة.

هؤلاء غنّوا قصائده: سعدون الجابر وفؤاد سالم وآخرون
جزء من حياة خلف، يشبه جزءاً من حياة الروائي السوري حنا مينه الذي فارق الحياة منذ فترة قريبة. فخلف أيضاً، تعذّب في الأرض، وحمل الأحمال. إلا أن خلف زاد عليه، بشقاء متّصل وصل في بعض الأحيان، إلى أن يتنقل في 28 شقة سكنية، في عام واحد فقط، هرباً من المتربصين الأمنيّين به! الأمر الذي دفعه ليطلق اسم (أيوب) على زوجته، نظراً لما قاسته من ظروف صعبة جدا بسبب مواقف – قصائد زوجها الشاعر الذي كان يضطر في بعض الأحيان، أيضاً، للنوم في شاحنة صغيرة مع أسرته.

شعرية خلف الحاملة للرائج الشفوي ومنحته أيضاً، لقب شاعر البسطاء والمساكين، دون تكلّف ينسف العلاقة الحدسية ما بين الشعر والمتلقي، جعلته قابلاً للتغني به. فغنى من شعره، مطربون عراقيون كثر، كقحطان العطار الذي غنى له قصيدة (سلّمت وانتا ما ردّيت السلام) و (لو غيّمت دنياي). وكذلك المطرب العراقي الشهير سعدون الجابر، غنى له قصيدتين هما: (عيني عيني) و(تلولحي). وغنى له المطرب صباح السهل قصيدة (بلا وداع). وغنى له حميد منصور قصيدة (توصيني). وكان للمطرب الكبير فؤاد سالم النصيب الأكبر من غناء قصائد الشاعر الراحل، وغنى له (لا تجينا) و(من هو انتا؟) وغيرهما. وكذلك غنى له كريم منصور قصيدة (أنا يا ويل).

أحد عناوين كتبه الشعرية، يحمل اسم (صياد الهموم)، والشاعر نفسه كان من عشاق الصيد وكان يقول (روحي الصيد) ويهوى صيد الطيور بالبندقية، ويخصص له يوماً في الأسبوع. وصدر له دواوين شعرية عديدة من مثل (القمر والديرة) و(قبل ليلة) و(أوراق ومواسم) و(تل الورد) وسواها.

عريان.. مأساة تسبّبت بإطلاق هذا الاسم عليه
ولاسمه الشخصي (عريان) قصة يتألم لها الشاعر، وهو اسم نسج له أسطورته الذاتية والأدبية في ما بعد. ولم يخف ما لحق به من حرج، بسبب اسمه. وكشف أنه كان يعاني من هذا الاسم الذي أطلقته والدته عليه، حيث كان بعض تلاميذ المدرسة يتضاحكون على الاسم، حسب ما قاله الشاعر نفسه.

وسبب إطلاق اسم (عريان) عليه، يعود لمأساة كانت تضرب أبويه قبل ولادته هو، حيث ولد له شقيقان، ثم ماتا بعد فترة وجيرة من ولادتهما. وأحدهما مات بعمر ستة أشهر، وثانيهما مات بعمر سنة ونصف. ولمّا ولد الشاعر، خافت أمه على حياته، بل (يئست) من بقائه على قيد الحياة، كما قال، فقامت بلفّه بمجرد قطعة قماش وتركته عريانا بلا ملابس، يأسا منها من إمكانية بقائه حياً.

ويضيف الشاعر أنه كبر ووصل إلى تمام عامه الأول، ولم يكن له اسم، وبقي عريانا طيلة هذه المدة، فآثر أبواه تسميته بـ”عريان” لهذا السبب. وكان ما كان من عمر شاعر الشعب العراقي الذي قارب الثمانين من عمره وكلماته تتردد على ألسنة أهل العراق، وخلّف إرثاً أدبياً وشخصياً لم يكن أكبر منه حجماً سوى الحزن على وفاته التي تركت صدمة على مستوى واسع لا زالت تتردد ما بين وسائل الإعلام المرئي والمكتوب إلى وسائل الإعلام الإلكتروني ومواقع التواصل الاجتماعي.

You may also like...

0 thoughts on “تعرّف إلى الراحل عريان السيد خلف”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اعلانات

تحميل المجلة

شرفتي.. المقال الصحفي…… هل ما زال؟!

رئيس التحرير
الدكتور وليد السعدي

Polls

هل انت مع منع لعبة البوكمن في البلاد العربية ؟

جاري التحميل ... جاري التحميل ...
Facebook
Google+
Twitter
YouTube
Instagram