محمد خليفة…….. مملكة في الفضاء الخارجي

تتبدل المفاهيم وتتغير الأفكار مع استمرار هذه الحضارة المعاصرة، فقد ظهر جيل بشري جديد لديه أولويات مختلفة عن أولويات الأجيال التي سبقته، وأصبح الإبداع التكنولوجي شيئاً مهماً وأساسياً تتنافس فيه المجتمعات المختلفة، وكان مفهوم الدولة أحد المفاهيم التي خضعت لعملية تغيير كبيرة، فقد كانت الدولة، قبل القرون الحديثة، غير معروفة الحدود، وغير محددة السكان، ولم يكن هناك احترام بين الدول التي كانت قائمة آنذاك، بل كان منطق الغزو والفتوحات هو السائد، لكن سرعان ما ظهرت الدولة الحديثة ذات الحدود المحددة بدقة وذات السكان المعروفين، وأصبح مفهوم المواطنة يجمع بين مكوناتها. وبات الغزو والفتح ممنوعين بموجب القوانين والشرائع الدولية، لكن لايزال مفهوم الدولة يخضع للتغيير مع استمرار التقدم العلمي، وفي هذا الإطار تم الإعلان عن إقامة الدولة الفضائية، المعروفة رسميا باسم (مملكة أسجارديا الفضائية)، في 12 أكتوبر عام 2016 في فرنسا من قبل العالم الروسي، (إيغور أشوربيلي)، وسارع بشر كثيرون من مختلف دول العالم، للانضمام إلى هذه الدولة الفضائية حتى بلغ عددهم 214 ألفا و255 مواطناً. وطلب القائمون على المشروع من رعايا الدولة العتيدين أن يصوتوا على خمسة بنود، هي: إعلان الدولة، والدستور، والعلم الوطني، والشارات، والنشيد الوطني. وتم إقامة موقع الكتروني وحسابات على مواقع التواصل الاجتماعي تتيح لعامة البشر الدخول والتصويت على تلك البنود المقترحة، ورغم أن المشروع لم يبصر النور بل ما زال في نطاق الإعداد والتجهيز، لكن مجرد التفكير في إقامة دولة في الفضاء الخارجي مستقلة عن غيرها من الدول على الأرض، هو حدث تاريخي بكل المقاييس، فهذه الدولة لن يكون لها حيز جغرافي معين تبسط عليه سيادتها وتسري فيه قوانينها، بل هي عبارة عن قمر اصطناعي سيوضع في الفضاء الخارجي وسوف يضاف إليه أقمار أو مركبات فضائية أخرى من أجل أن يتسع المكان لكل البشر المسجلين كرعايا لها. وكما أن المحطة الفضائية الدولية التي تسبح في الفضاء الخارجي على ارتفاع 400 كيلومتر عن سطح الأرض، ويقيم فيها بشكل مستمر علماء من الولايات المتحدة وروسيا والاتحاد الأوروبي، فإن الدولة الفضائية ستكون على هذا النمط حيث ستسبح أرضها الصناعية عبر الفضاء، وتمنح للمقيمين عليها متعة النظر والتأمل في هذا الكون الفسيح بكل ما فيه من أجرام وأفلاك وكواكب، مع اختلاف أن هؤلاء المقيمين لن يكونوا علماء بل مجرد بشر عاديين يحبون الإثارة والتغيير، وهم لن يقيموا هناك بشكل مستمر، لاستحالة ذلك بسبب انعدام الأوكسجين وشروط الحياة الأخرى، بل سيعودون إلى الأرض كل فترة. ومن هنا سينشأ (اوتستراد) دولي فضائي ذهاباً وإياباً، وستصبح المركبات الفضائية وسيلة النقل الرئيسية على هذا الخط. لكن هؤلاء المواطنين سوف يعاملون على الأرض كرعايا للدولة الفضائية التي يحملون جنسيتها وجوازات سفرها. وهكذا سيصبح هناك دولة جديدة مرتبطة بالمجتمع الدولي لكنها غير موجودة في حيز جغرافي محدد على الأرض، كما أنها لن تكون محددة السكان فهؤلاء قد يتغيرون باستمرار، كما لن يكون بوسع هذه الدولة أن تنتج شيئاً، أو أن يكون لها ناتج قومي، أو أن تمتلك جيشاً وقدرات عسكرية، بل هي ستكون دولة للسياحة الفضائية فقط، والواقع أن هذا المشروع، عند اكتماله، سينسف مفهوم الدولة الحديثة ذات الحدود المحددة والسكان المحددين الذين يجمع بينهم لغة واحدة وأصل مشترك واحد، لأنها لن تكون في حيز جعرافي محدد، بل سيكون الفضاء الفسيح مجالها الحيوي، كما أن سكانها سيكونون من مختلف الجنسيات ويتحدثون مختلف اللغات، لكن يجمع بينهم حب المغامرة واكتشاف ذلك المجهول الغامض الذي يكمن خلف حدود الكرة الأرضية.

You may also like...

0 thoughts on “محمد خليفة…….. مملكة في الفضاء الخارجي”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اعلانات

تحميل المجلة

شرفتي …….. 2019……. إطلالة جديدة

رئيس التحرير
الدكتور وليد السعدي

Polls

هل انت مع منع لعبة البوكمن في البلاد العربية ؟

جاري التحميل ... جاري التحميل ...
Facebook
Google+
Twitter
YouTube
Instagram