ميسون الرشيد………لم يعد الزواج سترا وغطا.. أزواج وزوجات بمواصفات عصرية

حتى نهاية الألفية الأولى كان الستر والغطاء هو كل ما يتمناه الأهل لابنتهم قبل الزواج، فيما كانت الزوجة الصالحة هي غاية مبتغى أهل الشاب الذي ينوي الزواج، ولكن دوام الحال من المحال، إذ سرعان ما تغيرت هذه المواصفات وفقا لمتطلبات العصر التي أرغمت العديد من الموروثات الاجتماعية إلى التقهقر، والتراجع إلى الخلف، لتصبح المادة، والمستوى الاجتماعي، والاقتصادي أهم بكثير من الستر والأخلاق الحميدة التي لم تعد تغني ولا تسمن من جوع.

مع تسارع إيقاعات العصر وفقا لما تقتضيه الظروف الراهنة تنازلت بعض المجتمعات العربية عن الكثير من المعتقدات، والإرث الثقافي، والاجتماعي القديم، ما جعل من الزواج السهل الممتنع، إذ لم يعد الشاب يفكر في الزوجة الصالحة بقدر تفكيره في الشريكة العاملة والميسورة الحال التي تقف إلى جواره في السراء والضراء، ولا بأس إن كانت جميلة، كما لا يسال أهل الفتاة في أغلب الأحوال عن المتقدم لطلب يد ابنتهم طالما هو شاب قادر ومقتدر، وصاحب وظيفة مرموقة، فما دوافع الأهل التي أجبرتهم إلى مجاراة معطيات العصر بكل سلبياته؟.
نقلة نوعية
في إجابتها على السؤال السابق تشير موضي عبدالحكيم العوضي (ربة منزل) إلى دور الإعلام المعاصر في نقل ما يحدث في العالم من تغيرات بصرف النظر إذا كانت هذه التغيرات سلبية أم إيجابية، الأمر الذي أحدث نقلة نوعية في السلوك المجتمعي بصفة عامة، ومن ضمنها تغير الكثير من المفاهيم المتعلقة بالزواج وغيره، لهذا نلاحظ أن الأهل لم يعد تشغل بالهم المعايير القديمة، بقدر ما يهمهم أن تكون زوجة أبنهم بنت ذوات أو سيدة أعمال أو صاحبة منصب رفيع لترتفع أسهمهم بهذه الزيجة غير المتكافئة، أما أهل الفتاة فقد أصبحت الثروة، والمركز المرموق مدعاة للموافقة على الزوج الذي ستحسد عليه ابنتهم من قبل رفيقاتها بصرف النظر عن أخلاقه التي باتت تحتل المرتبة الثالثة في معايير الزواج الناجح، لهذه الأسباب كافة يكون مصير معظم الزيجات الفشل العاجل والمستعجل الذي لا تنفعه ثروة ولا جاه .
مسألة شخصية
من جانبه أفاد أحمد بن سعيد العامري (رجل أعمال) أنه يرفض وبشدة تزويج أي من بناته بالمقاييس الجديدة التي تهتم بالمظهر الاجتماعي شكلا وموضوعا، لافتا إلى أنه قد لاحظ في الآونة الأخيرة عدم اهتمام بعض الشباب باستشارة الأهل في معظم القضايا الخاصة ومن ضمنها الزواج، أما البعض الآخر فيعتقد أن زمن الاستشارة قد انتهى وأن اختيار الشريك مسألة شخصية من الدرجة الأولى.
رياح العولمة
في السياق نفسه تقول فاتن الدكروري (سيدة أعمال) إن الأهل لم ينجحوا في إيجاد آلية أو وسيلة ذات جدوى للتعامل مع شباب العولمة والعالم الافتراضي، الذي خرج عن المألوف في الكثير من التصرفات والسلوكيات المتعارف عليها في مجتمعاتنا العربية المحافظة على العادات والتقاليد المستوحاة من ديننا تراثنا الإسلامي، الذي يوقر الكبير، ويحنو على الصغير، ويعتبر استشارة من هو أكبر منك سنا ضرورة مؤكدة. وتضيف: فيما يتعلق بمعايير اختيار شريكة الحياة، لا أعتقد أن هناك شابا واحدا في هذا الزمن يستشير أولي أمره في هذه المسألة إلا من رحم ربي، وذلك لاعتقادهم بأن المفاهيم قد تغيرت، وأن رياح العولمة التي هبت من الغرب باتجاه الشرق وتركت بصماتها في كافة نواحي الحياة، بيد أن الأهل يرفضون هذا التغيير على حد زعمهم. وتلفت الدكروري إلى أن ما يحدث من تغيير كبير في معايير اختيار الزوج ينبئ بحدوث خلافات عائلية عاصفة في المستقبل القريب، لهذا الأمر نتمنى أن يعيد أبناؤنا النظر في العديد من السلوكيات وعلى رأسها استشارة الأهل في القضايا المصيرية.
مجتمع قبلي
ماذا يقول الشباب؟ وما رأيهم فيما يقوله الأهل؟ بصراحة لا تخلو من شفافية تقول أسماء الأفندي طالبة دراسات عليا: بالرغم من التغيير الكبير الذي طرأ على مجتمعاتنا العربية ويعود الفضل في ذلك للانفتاح على الثقافات والحضارات الأخرى، غير أن الأهل ما زالوا يحملون الأفكار القديمة نفسها، ويرفضون بشكل قاطع التخلي عن الكثير من المفاهيم الجديدة التي تواكب العصر خصوصا عندما يتعلق الأمر بحرية الرأي وصنع القرار، وتشير الأفندي أن عائلتها المحافظة التي تستند على مكانتها الاقتصادية والاجتماعية في مجتمع قبلي يتميز بالترابط والتماسك ترفض رفضا قاطعا انفراد الفتاة باختيار فتى أحلامها دون استشارة ومباركة الأهل، لافتة إلى أن معظم فتيات العائلة تم تزويجهن بشباب من القبيلة ولم يمنحن حق الموافقة أو الرفض، ولا تعتقد أنهن سعيدات على حد تعبيرها، علما أن الأفندي رفضت بشدة الارتباط بشخص وافق عليه كبير العائلة دون الرجوع إليها.
إضافة جديدة
بالرغم اعترافه بما طرأ على المجتمعات العربية من تغيير في كافة مناحي الحياة إلا أن عبدالرحمن جمال (موظف) يرى أن استشارة الأهل في القضايا الحيوية أمر حتمي وضروري ولا غضاضة فيه، طالما أنهم يؤكدون أن مصلحة الأبناء على قمة أولياتهم. ويوجه جمال اللوم إلى بعض الشباب الذي يرى أن معايير اختيار شريكة الحياة مسألة شخصية ولا يحق للأهل التدخل فيها، خصوصا وأنهم تناسوا أن فتاة أحلامهم ستمثل إضافة جديدة للأسرة، فإذا غاب التوافق بينها وبين أفراد العائلة ستشتعل شرارة الخلافات التي لا تنطفئ نارها إلا بكارثة تفرق شمل العائلة وتمزق أوصالها. ويختتم جمال حديثه متمنيا أن يتفهم الأهل حقيقة الفوارق بين الجيلين ما يستدعي إيجاد آلية للتفاهم بينهم وبين أبنائهم، خاصة عندما يختار الابن شريكة حياته بقلبه وعقله لكي تكتمل مراسم الزواج بالتراضي ويعيش الجميع في سعادة وهناء.
جدل بيزنطي
أما وسام محمد العوضي (محاسب) فيرى أن حرب العادات والتقاليد الدائرة بين الأهل والأبناء سيشتعل أوارها من جيل إلى جيل، وكلما أتى جيل جديد ظهرت الاختلافات، واختلفت المعايير، فما كان بالنسبة للأهل بدعة وأمرا مستغربا سينظر إليه الجيل الحالي النظرة نفسها لا سيما عندما يصطدم بعولمة أخرى ومن نوع مختلف لم يخطر على باله، وتلك هي سنة الحياة، لهذا الأمر يرى العوضي أن التنازل عن بعض المسلمات سيؤدي إلى حل يرضي الطرفين ويجنبهم الصراع والجدل البيزنطي، وطالما أن الشاب هو الذي يعيش مع فتاة أحلامه وليس أهله، يتوجب عدم فرض الرأي على الأبناء، بل عليهم منحهم حق حرية الاختيار وتحمل المسؤولية الناجمة عن هذه الحرية، فقد تسلم الجرة هذه المرة، وإذا لم تسلم فهذا نصيب (ونصيبك حيصيبك) في هذه الدنيا على حد قوله.
هوايات واهتمامات
من ناحيته يقول أوراس علي (موظف) أن معايير اختيار شريكة الحياة قضية شخصية لا يملك أي طرف من الأطراف حق التدخل أو إبداء الرأي، ويضيف: بما أننا نعيش في العصر الحالي وليس القرن الماضي، لا يجوز للأهل إرغام أبنائهم على تبني مفاهيم لا تناسب متطلبات العصر، خصوصا إذا كان الموضوع يتعلق باختيار شريك الحياة، أما قضية (ستر وغطا) فلا أعتقد أنها تتماشى مع روح العصر، فالشاب في الوقت الراهن يبحث عن شريكة حياة تشاركه هواياته واهتماماته، وتسهم في تحقيق طموحاته، والأمر نفسه ينطبق على الفتاة، إذ لا ينبغي للأهل فرض زوج يرون في شخصيته أشياء لا تراها ابنتهم التي تشربت بروح العصر ونهلت من ثقافاته المختلفة، علما أن اختلاف الرأي لا يفسد للود قضية.
القيم الاجتماعية
ماهي معايير اختيار الشريك الناجح ؟ سؤال تجيب عليه الدكتورة مها عبدالحليم اختصاصي علم النفس بقولها: تختلف معايير اختيار شريك الحياة من شخص إلى آخر، فهناك من يركز على معايير شكلية تعتمد على الجمال والمظهر الخارجي إضافة إلى النواحي المادية فقط، فيما يهتم البعض الآخر بالنواحي الأخلاقية والدينية، غير أنه وبعد تطور المجتمعات وفقا لمعطيات العصر الحديث، ظهرت بعض الأفكار والممارسات الناتجة عن التغيير الجذري الذي طرأ على تلك المجتمعات، علما أن العديد من الموروثات الاجتماعية المرتبطة بالعادات والتقاليد بدأت في التلاشي رويدا رويدا بسبب التركيز على الجانب المادي والشكلي، وتهميش البعد الديني، والأخلاقي.
وتشير عبدالحليم إلى أن معايير اختيار الشريك في الوقت الراهن تشي بالتحرر والانفتاح، وعدم التقيد بالكثير من المعتقدات البالية على حد تعبيرها، خصوصا وأن الشباب تنصل عن القيم التي يؤمن بها أهلهم بالرغم من أهميتها لبناء أسرة سعيدة، ومن ضمنها القيم الدينية والاجتماعية التي أسهمت بشكل كبير في استقرار المجتمعات العربية ردحا من الزمن، وتلفت إلى أن مجاراة عصر السرعة، وتقنية المعلومات لعبت دورا رئيسا في معايير الزواج التي تأثرت بالحداثة والعولمة مع تدخل الوسائط الإلكترونية في عملية الاختيار وإكمال مراسم عقد القران عبر البث المباشر .

You may also like...

0 thoughts on “ميسون الرشيد………لم يعد الزواج سترا وغطا.. أزواج وزوجات بمواصفات عصرية”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اعلانات

تحميل المجلة

شرفتي …….. 2019……. إطلالة جديدة

رئيس التحرير
الدكتور وليد السعدي

Polls

هل انت مع منع لعبة البوكمن في البلاد العربية ؟

جاري التحميل ... جاري التحميل ...
Facebook
Google+
Twitter
YouTube
Instagram