هيفاء بيطار ………. القسوة

بيّن الطب النفسي أن مشاهدة مظاهر العنف والإجرام والقسوة على الشاشة – سواء كانت المشاهد لأفلام أو من واقع الحياة- تؤدي إلى تزويد المُشاهد بمناعة تجعله لا يشمئز أو يزدري مظاهر العنف التي يراها.. وهذا ما يجعل جيلاً من الأطفال والمراهقين والشباب يتقبلون القسوة كأنها سلوك طبيعي إنساني، ويجعلهم يفقدون أهم حس إنساني وهو الرحمة.
وقد درس علم النفس تأثير مشاهد العنف على المُشاهد، خاصة الأطفال واليافعين، وأجرى الأطباء النفسانيون أبحاثاً نفسية واجتماعية عن دور التليفزيون والسينما في التأثير على عقول وشخصية الأطفال والشباب، فأثبتوا أن الشاشة في الوقت الحالي لها أقوى تأثير في بناء الشخصية، وبأنها أقوى من تأثير الأسرة والمدرسة، لذا ففي أغلب الدول المتحضّرة أصبح الإعلام التليفزيوني يتجه نحو أهداف خاصة لتنمية العقول والتأثير في المشاهدين.
وبينت الدراسات أن الطفل يمر بمراحل عدة حين يشاهد مظاهر العنف، ففي البدء يحس بالاشمئزاز والنفور والكراهية، لكن مع تكرار هذه المشاهد يحدث له ما يسمى التحصين النفسي، أي إنه يرى مشاهد العنف دون الإحساس بأي نوع من الانفعال أو الشحنات الوجدانية الخاصة بهذا المنظر، وتلي مرحلة التحصين النفسي مرحلة اللامبالاة، بمعنى أنه إذا أقدم هو شخصياً على العنف، فلا يشعر بأي تأنيب ضمير.
من هنا يجب أن ندرك خطورة التليفزيون وتأثيره في بناء شخصية الطفل.. ويكفي تقليب سريع للفضائيات لندرك كَم العنف والإجرام والقسوة الذي تعرضه، سواء في نشرات الأخبار أو الأفلام، وحتى في أفلام الكرتون، إذ نشأ جيل من الأطفال والمراهقين لا يستمتعون إلا بمشاهد القتال والأذى والعنف.. بل إن نسبة كبيرة من ألعاب الكمبيوتر للأطفال حافلة بمشاهد العنف..
وللأسف فإن الأهل والمدرسة والمسؤولين الإعلاميين غافلون أو غير منتبهين لخطورة مشاهد العنف والقسوة على الأطفال والمراهقين، وتأثير التراكم العنفي على العقول الشابة من تبلد الأحاسيس وفقدان الحس الإنساني والرحمة والعطف.. ويكاد لا يمر يوم إلا وتطالعنا الصحف والبرامج التليفزيونية عن حالات من العنف الوحشي عند المراهقين، لم تكن موجودة من قبل، ويستغرب الأهل والمُدرسون السلوك العنيف لدى المراهقين، ولا يخطر ببالهم أن هؤلاء المساكين ضحايا للتراكم العنفي الذي يغزوهم من الشاشة، وبأنهم لا يملكون الحصانة النفسية والنضج الكافيين للتصدي لهذا الغزو الخطير، الذي يقتحم عقولهم ونفوسهم كسُم قاتل..
للأسف فإن من أهم الصفات البارزة لعصرنا هي العنف والقسوة وضمور المشاعر الإنسانية من تعاطف وإحساس بالآخر والنخوة والرحمة.. بل صار هناك من يتلذذ بمصائب الآخرين، ويتلذذ بمشاهد العنف والقسوة..
لا أنسى نظرة الهلع في عيني أم لديها طفل في التاسعة من عمره، قالت لي وصوتها يرتجف من الدهشة والخوف: تصوري ابني لا يبالي حين يرى أطفالاً من عمره وقد فقدوا رجلاً أو يداً أو عيناً.. وبأنه حين رأى صورة طفلة فقدت ساقيها بسبب القصف الإسرائيلي على غزة، ضحك وسخر منها وقال: منظرها بيضحك من دون ساقين..
بالتأكيد لم يخطر ببال هذه الأم أن ابنها ذا السنوات التسع ضحية تراكم عنفي متواصل وكثيف عبر الشاشة.
من يحمي أطفالنا من العنف الذي صار سمة العصر.. العنف المبثوث من شاشة التليفزيون والإنترنت.. كم من الأطفال يشاهدون أفلاماً ومسلسلات تعج بصور الإجرام وفنونه، وقد ذيّلت بعبارة تمنع مشاهدتها لما دون الثامنة عشرة أو الخامسة عشرة.. الأطفال يقرؤون هذه العبارة ويتابعون المشاهدة وهم يضحكون ضحكة سخرية من الكبار.

You may also like...

0 thoughts on “هيفاء بيطار ………. القسوة”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اعلانات

تحميل المجلة

شرفتي …….. 2019……. إطلالة جديدة

رئيس التحرير
الدكتور وليد السعدي

Polls

هل انت مع منع لعبة البوكمن في البلاد العربية ؟

جاري التحميل ... جاري التحميل ...
Facebook
Google+
Twitter
YouTube
Instagram