لـنـا كـلمــة ………. التجارة بالدين

محمد خليفة

التجارة بالدين
هدد كريستوف كولمبس الهنود الحُمُر بأنهُ سيسرق منهم القمر إذا لم يمنحوه الطعام والتموين الذي يكفي طاقمه للبقاء على قيد الحياة.. لم يُصدِق الهنود الحُمُر حينها أن هذا القرصان العظيم قادر على تنفيذ تهديده، وكان الفلكيون الذين رافقوا كولمبس قد أعلموه أن خُسوفاً كاملاً سيحصل بعد أيام، ولما غاب القمر بالفعل جاء الهنود المساكين يتوسلون إلى كولمبس لإعادة القمر إليهم، بعد أن تعهدوا بتنفيذ جميع أوامره حرفياً، وفي الليلة التالية عاد القمر مكتملاً، فظنوا أن كولمبس قد أعاده لهم!!!.
من تلك الحادثة ربح الهنود الحمر طقوسهم الاحتفالية بالقمر، ولكنهم خسروا قارة كاملة بثرواتها العملاقة.. والواقع أن آفة الدين الجهل، ومعظم الناس هم أهل اتباع فلا يعملون عقولهم، بل يمشون على ما ألفوه من عادات وتقاليد درجوا عليها، ولو كانت خاطئة وليست من الدين في شيء.
وكان بابا روما يبيع للأوروبيين، ملوكاً وناساً عاديين، صكوك الغفران، وكان بإمكان البابا أن يسلك من يشاء مع القديسين وأن يرسل من يشاء إلى الجحيم، بمجرد أن يصدر بياناً يقول فيه، إن فلاناً من الناس له الجنة، وإن فلاناً آخر له الجحيم.
وقد كان الهدف الأساسي من الإصلاح الديني هو تخليص الدين المسيحي من تلك الخرافات وتحرير الأوروبيين من السلطة الدينية والزمنية للكنيسة.
وفي البلاد العربية كانت -ولا تزال- التجارة بالدين مزدهرة، بل هي في ازدياد مع انتشار التطرف على نطاق واسع في هذه البلاد، حيث يتجلى الهدف الأساسي للمتطرفين في حكم الناس باسم الدين للحصول على المكاسب الدنيوية.. فالأحزاب القائمة على أساس ديني هي أكبر خدعة وقع فيها الكثير من أبناء هذه الأمة، فمتى كان الطريق إلى الله تعالى يمر عبر حزب سياسي مغلف بغلاف ديني؟.
إن الهدف الأساسي لهذه الأحزاب هو وضع اليد على السلطة وأكل خيرات الشعوب العربية، واستغلال هذه الشعوب إلى ما لا نهاية له.
إن الأنوار القادمة من ما وراء الأفق لا تزال تسلب عقول وأفئدة الكثير من الناس في هذه الأمة، ولا تزال أسرار السعادة تكمن في مكان آخر غير هذه الأرض.. وربما ليس ثمة مشكلة مع التدين، لكن أن يصبح الدين عقبة في طريق تقدم العلم فهنا تكمن المأساة.
وقد ثبت بالدليل أن النفوذ الديني يتراجع كلما زادت مساحة العلم في المجتمعات المختلفة.. ورغم أن الدين لم يلغ في المجتمعات المتقدمة، لكن تم فصله عن الدولة، ولم يعد هناك إكراه سياسي أو اجتماعي لاعتناق دين معين أو ممارسة طقوس معينة، وهذا ما أعطى الأولوية في الحوار والنقاش للعقل ومبادئ المنطق والمناهج العلمية التي تقول بالحقائق النسبية لا بالحقائق المطلقة، وتدور فيها حوارات حقيقية في مختلف ميادين المعرفة.
لقد كان الفيلسوف العربي ابن رشد سباقاً في اكتشاف سبب انتشار التجارة بالدين، حيث قال: (التجارة بالأديان هي التجارة الرائجة في المُجتمعات التي ينتشر فيها الجهل، فإن أردت التحكم في جاهل، فعليك أن تُغلف كل باطل بغلاف ديني).
إن تفكيك الأفكار التي يستخدمها المتطرفون كوسيلة لكسب عقول الناس هي مهمة أساسية للمثقفين في هذه الأمة، فتوضيح الحقائق العلمية وإزاحة ستار الجهل عن مكنونان الطبيعة وإبراز مفاهيم مختلفة عن ما يتصوره الناس من مقولات دينية، كل ذلك سوف يسهم في الحد من انتشار التطرف والجهل، وبالتالي سوف تتقلص التجارة بالدين، ليصبح العقل وحده، وليس العاطفة، هو الذي يقود الإنسان في رحلة الحياة.

You may also like...

0 thoughts on “لـنـا كـلمــة ………. التجارة بالدين”

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اعلانات

تحميل العدد

شرفتي….. مدرسة حسن الخراط

رئيس التحرير
الدكتور وليد السعدي

SPONSORS

Polls

هل انت مع منع لعبة البوكمن في البلاد العربية ؟

Loading ... Loading ...
Facebook
Google+
Twitter
YouTube
Instagram