بقاء المجتمعات مرتبط بما يحمله أفرادها من سلوك حضاري قويم وتطبيق سليم له

تشمل مظاهره نواحي الحياة وجوانبها كلها
بقاء المجتمعات مرتبط بما يحمله أفرادها من سلوك حضاري قويم وتطبيق سليم له

تعتبر الأخلاق من أهم أسس الحضارة، فهي سبب التماسك والقوة في المجتمعات، وقد لخص ذلك النبي (صلى الله عليه وسلم) في قوله: (إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق).. فعلى الأخلاق ترتكز الحضارات، وبالقيم ترتقي الأمم، وإن بقاء المجتمعات مرتبط بما يحمله أفرادها من سلوك حضاري قويم، وتطبيق له سليم، وقد جرت سنة الله تعالى في خلقه أن يبقى الصالح النافع، قال سبحانه: (فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض كذلك يضرب الله الأمثال).

فما هو السلوك الحضاري؟.. إن السلوك الحضاري للإنسان هو ثمرة أخلاقه الراقية المتمثلة في الأقوال والتصرفات المثالية التي تصدر عن حميد القيم، ونبيل الشيم، وتتوافق مع عادات المجتمع وأعرافه وتقاليده، ونظمه وقوانينه، وتكون منضبطة وفق المعايير التي تحقق مصلحة الإنسان في الدنيا والآخرة، ومن أبرزها القول الحسن، والتعامل بلطف مع الجميع، وهذه من مبادئ ديننا الحنيف، قال الله تعالى: (وقولوا للناس حسنا).. وقال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): (خالق الناس بخلق حسن). ونبه القرآن الكريم على ذلك، قال الله سبحانه: (ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك).. فإذا أخطأ الإنسان فعليه أن يعتذر، ويتلمس لذلك أفضل العبارات، وينتقي أعذب الكلمات، مستخدماً عبارات الشكر والامتنان، وفي المقابل علينا قبول اعتذار من أخطأ، والتماس العذر له، فثقافة الاعتذار تعزز الحوار الحضاري البناء الذي يثمر التقارب والمودة.
ومن تلك الأسس التعاون على الخير والمبرات، والتآزر في الملمات والمسرات، وقد دعانا ربنا سبحانه إلى هذه القيمة النبيلة بقوله عز وجل: (وتعاونوا على البر والتقوى).. وإن هذا التعاون مبني على أساس الرحمة والإحسان، والتعارف بين بني الإنسان، قال الله تعالى: (يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير).
وما هي نماذج السلوك الحضاري؟.. إن السلوك المتحضر تشمل مظاهره نواحي الحياة وجوانبها كلها، فحسن المظهر، وجمال الهندام والنظافة من أولويات السلوكيات الحضارية التي نبه القرآن الكريم إليها، قال الله سبحانه: (يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد). وحض النبي (صلى الله عليه وسلم) على تأصيلها في أصحابه رضي الله عنهم، حتى يكونوا كأنهم شامة في الناس.
ونهى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) عن إهمال المظهر والهيئة، فعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: أتانا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فرأى رجلاً شعثاً قد تفرق شعره، فقال: (أما كان يجد هذا ما يسكن به شعره؟).. ورأى رجلاً آخر وعليه ثياب وسخة، فقال: (أما كان هذا يجد ماءً يغسل به ثوبه؟).
وقد دعانا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) إلى احترام الطريق بقوله: (أعطوا الطريق حقه).. وهذا سلوك حضاري يظهر فيه مراعاة حقوق مستخدمي الطريق، وإن احترام القوانين واللوائح التي تنظم استخدام الشوارع والمرافق العامة له أثره في إبراز التصرفات الراقية، والسلوكيات المتحضرة، وفيه حفاظ على حياة الناس، وعدم إزعاجهم.. وهو سلوك حضاري متكرر يومياً لكل من يستخدم الشوارع والطرق.
والإنسان المتحضر المتمدن الراقي يسعى دائماً للإتقان في العمل بأمانة، والارتقاء بمستواه المعرفي والمهني، لينتج بجودة، ويبدع في أدائه، ويحرص على الاستثمار الأمثل لوقته، وتقدير وقت الآخرين، ويحافظ على مواعيده، ويفي بعهده، قال الله سبحانه: (وبعهد الله أوفوا ذلكم وصاكم به لعلكم تذكرون).. أي: وصاكم الله تعالى بالوفاء بالعهد، وأكد عليكم فيه، لعلكم تتعظون.. والعهد: هو الوعد الموثق، وأما الوفاء بالعهد فمعناه: أن يحقق المرء ما عاهد على أن يعمله.. والالتزام بالوعود سلوك حضاري سديد، ينبئ عن رزانة صاحبه، وقوة شخصيته، واحترامه لكلمته، وقد أثنى الله عز وجل على نبيه إسماعيل عليه السلام بصدق وفائه بوعوده، فقال: (واذكر في الكتاب إسماعيل إنه كان صادق الوعد وكان رسولاً نبياً).
من أين يكتسب الإنسان سلوكه الحضاري؟
يكتسبه المرء من بيته وأسرته، فإن الطفل يولد صفحة بيضاء، يسطر فيها الأبوان ما يريدان، حيث يتعهدانه بالتربية منذ طفولته الأولى، ويتوليان تثقيفه وتوجيهه، وتنشئته على مكارم الأخلاق، وطلب المعالي، والهمة العالية، لذلك كانا مسؤولين أمام الله تعالى عن أبنائهما، ثم المدرسة التي ترسخ القيم النبيلة، والسلوكيات الإنسانية القويمة، ليسهم الطالب في رعاية النتاج الحضاري لدولته، ثم يصقل خبراته وتصرفاته من خلال التفاعل الإيجابي مع الآخرين.
فاتقوا الله عباد الله حق تقاته، وداوموا على طاعته، واعلموا أن للسلوك الحضاري أثره الإيجابي على الفرد، حيث يحظى بالخير العظيم في دنياه وآخرته، فيرضى عنه ربه سبحانه، وتحسن بين الناس سيرته، ويوضع له القبول في قلوبهم، قال النبي (صلى الله عليه وسلم): (إذا أحب الله عبداً نادى جبريل: إن الله يحب فلاناً فأحبه، فيحبه جبريل، فينادي جبريل في أهل السماء: إن الله يحب فلاناً فأحبوه، فيحبه أهل السماء، ثم يوضع له القبول في أهل الأرض).

الوقت كنز ثمين لمن يستثمره
إن الوقت أثمن ما في حياة الإنسان، فهو عمره المقدر في هذه الدنيا، وإن كل دقيقة وثانية تمر تنقص من عمره، قال الحسن البصري: ابن آدم، إنما أنت أيام، كلما ذهب يوم، ذهب بعضك.. وقد أقسم الله تعالى بالوقت في عدة مواضع من كتابه الكريم، لأهميته ومكانته فقال سبحانه: (والفجر * وليال عشر).. وقال عز وجل: (والليل إذا يغشى * والنهار إذا تجلى).. وقال تعالى: (والعصر).. وإن الوقت نعمة عظيمة امتن الله سبحانه علينا بها فقال عز وجل: (وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكوراً).
فكيف نشكر نعمة الوقت؟.. إن أفضل شكر لهذه النعمة أن يستثمرها المرء في إنجازات عظيمة تجعل لوقته قيمة عالية، فمع بداية كل يوم يتجدد نشاطه، وترتفع همته في العمل والإنتاج، فيكون من خير الناس، قال أعرابي: يا رسول الله من خير الناس؟ قال (صلى الله عليه وسلم): (من طال عمره وحسن عمله).
فعلى الإنسان أن يعرف قدر وقته، ولا يضيع منه لحظة في غير عمل مفيد، وهذا يحتاج إلى مهارة في تقدير الوقت لإتمام العمل وإنجازه، أو للوصول إلى مكان ما في التوقيت المحدد، حتى لا يضيع الإنسان وقته فيما لا ينفعه، فيكون من المغبونين، قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): (نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ).
والمغبون هو الذي باع شيئاً بأقل من ثمنه وفرط في الشيء النفيس، فالمعنى أنهم مقصرون في شكر هاتين النعمتين، فلا يقومون بواجبهما لأنهم لا يقدرونهما حق قدرهما، فيتهاون بعض الناس في التفريط في وقته، قال الشاعر:
والوقت أنفس ما عنيت بحفظه ** وأراه أسهل ما عليك يضيع
فالوقت كنز ثمين لمن يستثمره، ونعمة عظيمة لمن يحسن استخدامها قبل انقضائها، فاليوم أربع وعشرون ساعة، وهو ضيف سريع الرحيل، فإن اغتنمناه، مضى عنا وهو حامد لنا، شاهد بالخير علينا عند ربنا، قال أحد العلماء: ما من يوم ينشق فجره، إلا وينادي: يا ابن آدم أنا خلق جديد، وعلى عملك شهيد، فتزود مني، فإني إذا مضيت لا أعود إلى يوم القيامة.
يا أهل الصلاة والمواقيت: إن الله عز وجل جعل الوقت فرصة للعمل الصالح النافع، واحترام الوقت من أهم عوامل النجاح في حياة الإنسان، فما بلغ أحد المجد، ولا وصل إلى العلياء، إلا بمحافظته على وقته، وحرصه على أن يكون نافعاً لنفسه ولوطنه ولأمته وللعالم، وإن تقدم الشعوب يعتمد بشكل أساسي على استثمار كل ثانية من أوقاتهم في تحقيق إنجازات كبيرة في أوقات قياسية، خدمة للبشرية، وهذا يتطلب توزيع الأعمال على الأوقات.
فكيف ننظم أوقاتنا؟.. إن التخطيط المسبق للوقت وتنظيمه يعين الإنسان على اغتنامه، ويجنبه هدره، فالذي يحسن إدارة وقته يجعل لعمله جزءا لا يفرط فيه، ولأهله نصيباً لا يقصر فيه، قال النبي (صلى الله عليه وسلم): (إن لربك عليك حقاً، ولنفسك عليك حقاً، ولأهلك عليك حقا، فأعط كل ذي حق حقه). وهكذا يتم تنظيم الأوقات وعدم تضييعها، ومراعاة أوقات الآخرين سواء في المواعيد أو في الاجتماعات أو المجالس وغيرها، بالإضافة إلى ترتيب الأولويات وإنجاز الأهم فالمهم، فيزداد الإنتاج والرقي والنماء، قال أحد العلماء: إني لا يحل لي أن أضيع ساعة من عمري، حتى في وقت راحتي أعمل فكري ثم أسجل خواطري.
فكم من شعوب تقدمت ودول تطورت بسبب احترام أفرادها للوقت بدقة بالغة، واستثمارهم للزمن، وقد قيل في المثل: الناس يفكرون دائما كيف يقضون أوقاتهم، لكن العقلاء يفكرون كيف يستثمرونها، وإن الشعوب المتحضرة هي التي تقدر الوقت وتحسن إدارته، فتراهم إما في عمل هم له متقنون، أو في تحسينه متفانون، أو في رياضة إليها ينشطون، أو في قراءة عليها يحرصون، فتقدمت بلادهم، واتسعت ثقافتهم.
فليسأل كل واحد منا نفسه: هل يقدر الوقت ويحرص على اغتنامه واستثماره؟ ثم ليسأل ماذا قدم من وقته لنفسه وأهله ومجتمعه ووطنه من نفع وخير؟

You may also like...

0 thoughts on “بقاء المجتمعات مرتبط بما يحمله أفرادها من سلوك حضاري قويم وتطبيق سليم له”

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اعلانات

تحميل العدد

شرفتي ……. ابن بطوطة رجل الخطوة والفكر والسلام »2«

رئيس التحرير
الدكتور وليد السعدي

SPONSORS

Polls

هل انت مع منع لعبة البوكمن في البلاد العربية ؟

Loading ... Loading ...
Facebook
Google+
Twitter
YouTube
Instagram